Samedi 21 février 6 21 /02 /Fév 11:42
قلم/ محمد فائق البرغوثي
(1)
الرغبة ،،


اغتسلتْ بقطرات الندى ، أرجأتْ موعدها مع النحلة المناوبة ، وأغرتْ الفراشات بطيب الشذى ؛ هيأتْ نفسها ليدِ أول طفل ٍيعبث بها ، يقطفها كباقي رفيقاتها الزهرات .

جاء الطفل ، داعبَ الفراشة... وتركها تداعب دمعتها .


(2)
فرض مدرسي ،،


ينام على وجع ،ولا كوة هناك تزاور عن وجعه ، ذات الشمال أو ذات اليمين لينام على وجع ثم يصحو على وجع ، ينهض ، يحلق ذقنه ، يختار قميصا مناسبا ، يكوي ملابسه ، يرتديها ، يلاحظ فيما يلاحظ أن كسرة البنطال اليمنى غير متقنة الكي ،فيعاود كيها ، يلمع حذاءه جيدا ،يتعطر ، نظرة أخيرة للمرآة قبل الخروج يزرع ابتسامة على وجهه ثم يمضي لعمله ليزاول البهوت


(3)
حساسية


بعد دهر ٍإلتـقـَـتـْهُ صُدفة ، سألـَتـْه : لـِمَ لمْ تأتِ في موعدنا ؟! - قال لها : الوردة التي كانت معي ذبُـلت ، ولم أشأ أن أهديك وردة ذابلة ॥ في موعدنا الأول ।


(4)
أحوال جوية ،،


مرّتْ سيارة شرطة ، سكنَ الهواء ، حوّلَ مسارَهُ المطر ، توقفتْ غيمة ٌ عن إطلاق مخاضها ، ضـمُـرتْ أقلام ٌ في مِـبْـراتِـها .ذهبتْ سيارة الشرطة.. وتركتْ وراءها ألسنة رطبة ..


(5)
فيروز ،،


رنـّة ُ المنبّه الجديدة تشدو بصوت فيروز ، يصحو من نومه الثقيل على هديل صوتها ،لأول مرة يصحو بهذه الخفة ، يدندن قليلا معها ، تأخذه الذكريات ، نشوة تتخلل مسامات الروح ،، صوت فيروز الذي سَـحَـبَهُ من نومه سلـّمَهُ لأحلام اليقظة ..


(6)
خواء ،،


في سجوده تضرع لله أن يخلصه من كل همومه وآلامه ..أن ينسيه أحزانه .. في الصباح وُجد على سريره برميل ماء ٍ خاو ٍ..


(7)
تصفيق حار ،،


جعل العصمة في يدها ، فـنعته الرجال بالحمق .. ثم ما لبثوا أن زانوا رجاحة عقله بعد أن رفع عليها قضية خلع .. محتفين بهذا الانتصار .


(8)
التفاحة ،،


قضم تفاحتها ، فأدرك حقا كم كان آدم معذور .


(9)
حنان ،،


رتـَبَ عليه بحنو ٍ وعطف .. فسالَ السواد على كـفـّهِ تاركاً بصمة ًبيضاء على ريش ذلك الغراب المُصاب .


(10)
مناظرة ،،


قال البرق : لا.. أنا أسرع ، فرد الرعد : لا .. أنا الأسرع , انتهت المناظرة لصالح الرعد بالدليل القاطع على أنّ الأذن تعشق قبل العين أحايين كثيرة .


(11)
تضامن ،،


في تلك الليلة.. لم يـقـرأ ذلك الطفل الصغير المعوذات قبل نومه .. تضامنا مع أترابه في غزة والعراق.


(12)
أحلام ،،


- تبا ً لكْ ، أراك َ تستلذ بالاستماع لكوابيسي المرعبة المزعجة كمن يتابع فيلم أكشن أواثارة .
*- اعذريني حبيبتي .. فـ ( لاقط ) أحلامي - منذ فترة - لا يستقبل إلا سبيس تون .


(13)
سراب ،،


اختفى السراب فجأة في البوادي والصحراء ، فــنـُـظـّمتْ حملة للبحث عنه وتتبع أثره ، خشية الانقراض ، وهناك ، على أطراف المدينة وجدوه منهكا يجر خطاه ، سألوه : ما الذي أتي بك هنا ؟ قال : هنا .. هم بحاجتي أكثر..


(14)

في شباط ،،


-I كلما علا مواء القط ، ارتفع شخيره بحنق ، وهي ساهرة تحصي نقاط هذا السباق ،تقولُ في سرها : يا ليتني كنتُ قِـ / لا تـُكْمِلُ .. تنامُ فقط .
II- كلما علا مواء القط ، ارتفع شخيره بحنق ، ثم سرعان ما رق الصوت بما يشبه أنين البكاء
III – عندما علا مواء القط ، فشخر الصوت ثم رق .. فزّتْ مسرعة ، فتحتْ الشباك ورمتْ القطط بمشطها ، بزجاجة عطرها ، ثم راحت تضمه بحنان .


(15)
ابن أبيه


نقلهُ والدهُ الأستاذ للمدرسة التي يعمل بها ، ليكون تحت ناظريه ،بعد شهرين ظهرتْ عليه أعراض الشزوفرينيا ،عرضوه على الطبيب ، فقال لهم ربما اختلف عليه الجو ، ولم يتأقلم بعد في مدرسته الجديدة قال الطفل في سره : أغبياء ، حقا أغبياء ، هم لا يدرون أن لكل شخص طبيعي شخصيتان ؛ واحدة خارج البيت ، وأخرى داخله ، أخبرهم يا أبي ..


(16)

وجه ٌ يقلد شعبا ،،


نزل حاجب الدهشة الأيسر وبقي الأيمن .. واتهمَ الأيمنُ الأيسرَ بأنه ذليل ٌ وعميل.. وانقسم الاثنان واختلفا على ملكية بعض الشعيرات بين الحاجبين ، واختلفت الشعيرات مع الحاحبين فأسست دولة وأعلنت استقلالها وأصبح لها علم ونشيد وطني مستقل . وتفاقم الأمر فأعلنت الرموش عصيانها على حكومة العين واستبدادها ، والبشرة ُ أعلنت انسحابها لعدم تفعيل دورها اللوني فالدماء تحجبها وتغطيها ، ثم أعلن الأنف إستياءه من إحدى معبريْـة ، فهو يسمح بحدوث تجاوزات تتمثل بتهريب هواء صحي ونقي للمريئ ، فأغلقه بسدادة أذن وقطع عنه الامدادات ، وفك الأسنان العلوي لم يقبل بأي مفاوضات تتمثل بمد جسور التقويم مع فكه السفلي- رغم تدخل اللسان - معللا أن بأن هذه الفروق شيء طبيعي لاختلاف المقامات والدرجات . وقبل أن يتفاقم الأمرقررت جامعة الحواس الخمس عقد اجتماع طارئ انتهى بتهدئة الأوضاع واتفاق الطرفان مع أخذ صورة تذكارية ليدين تتصافحان .


(16)
مخيم ،،


كَسْرة ُ ...... خبز ، ضمّة ُ .... صدر ، فتحة ْ...... في السقف، و أشارت بإصبعها ، فقال طفلها : وفي النافذة يا أمي ، والحذاء والبنطلون والشنطة ، أنظري .. مشيرا الى مكان الثقب .ابتسمت الام ووضعت الكتاب في الشنطة متأكدة أن ابنها قد فهم جيدا درس النحو .


(17)
قرار


بعد ليلة باردة ، لم يساعدها فيها زوجها على نسيان آلام ضرسها .. قررت ْ في الصباح الذهاب لخلعِه ، ولم يفهم قارئ القصة ولا كاتبها إلى أين ستذهب : إلى عيادة الأسنان أم إلى المحكمة .


(18)

القصة الأخيرة ،،


استنكرت القصة هذا النوع من الكتابات، محذرة ً من إلحاقها بنسبها ، تحت طائلة المسؤولية ، قائلة ً ان هذا المولود المسخ لا يرجع في أصوله، بأي شكل من الأشكال ، إلى أي فخدٍ قصصي ، مستغربة من تهافت بعض الكتاب ،أو فلنقل أشباههم، على كتابة هذه السخافات .لكنها - رغم ذلك - بقيت مشدوهة مستغربة كيف استطاعت أن تختصر عالما في بضع كلمات .



إلى اللقاء ،،
Par طيف عربي - Publié dans : فضاء محمد فائق البرغوثي
Ecrire un commentaire - Voir les 0 commentaires
Samedi 21 février 6 21 /02 /Fév 11:35

 





 

آتيك ليلا


وبإصبعى الصغير


أشق صدرك


و أخرج قلبك


و لا تتوجع


و لا تتألم


و أحمل قلبك بين يديى


وأضع لك قلبى بديلا


فلا ترى سواى فى الحياة أليفا


وأصلح لك قلبك


و فى غرفه الاربعة


أضع فى كل غرفة صورة لى


فيمتلىء قلبك بى


و يزيد و يفيض


وجودى داخلك


و ازاحم نفسى فى قلبك


وأسرى فى عروقك


و يحملنى دمك اليك


و أنتشر بكل خلايا جسدك


و تبحث عن طب يداويك منى


فيتحير الطبيب


و يقرر لك دواءا معالجا


أن تشرب حبى ثلاث مرات قبل طعامك


و تاخذ حبوبا من عشقى قبل منامك


و حين ينظر الطبيب الى عينيك
يرانى


و على صورة لقلبك


يجدنى مطبوعة


و على كفيك


يرى حروف إسمى


وعلى شفتيك أصيرقبلة


و يتعجب الطبيب


مما يشقيك


فانت بخير صحة


و احسن حال


و يكرر لك الدواء


و ينصحك
ألا تقطعه


و ألا تمله


و قبيل منامك


تبحث عنى


فتجدنى
و ترانى


حين تغمض عينك


فى حلمك


أمسك بيدك


و تمسك بيدى


نستمع الى الموسيقى


تحملنى دقات البيانو الى بعيد


اعشق التانجو


تطلبنى للرقص


فأتعلق بك


تبعدنى


أرتد اليك


على ضوء خافت للشموع


أدور بين ذراعيك


و اعود الى صدرك مجددا


أخاف الوقوع


فتحمل كتفيك ذراعى


و اذوب كما الشمعة الخافتة


اختبىء فى صدرك


أضمك حينا و حينا تضمنى


تأخذ منى كل انفاسى مرة واحده


و تعطينى الاوكسجين


فأعود الى الحياة


و تنظر الى عيناى


و ترفع راية التسليم


و تستكين


وأعود أرقص من جديد


ابتعد عنك


و اعود اليك


و ابتعد


و اعود


و اعود
قلم/ عايدة بدر
Par طيف عربي - Publié dans : فضاء عايدة بدر
Ecrire un commentaire - Voir les 0 commentaires
Samedi 21 février 6 21 /02 /Fév 11:20

لم أكن أعلم أن في الوجود امرأة تخلق من الإنسان المتحجر كوكبا يتألق وينيــــر ظلمات الكون، لا أغالي، هكذا كانت ( خديجة ) ، صنعت مني إنسانا آخر، تجلت مثل حلــــم جميل أضاء ليلة من حياتي السقيمة ثم افلت كنجمة الصبـــــــاح، والآن أيـن ذاك الحلم الجميل ، يا سادتي ؟؟؟....اصرخ في المارة:ـ لله يا محــــــــــسنين... هـــــا أنا ذا افترش الأرض قبالة الرصيف، ويتجمع الذباب من حولي، انظر إلى ساقي المقطوعة، بدلوها بعكاز، أتوسل إلى المارة بوجه خال من الملامح : لله يا محسنيين، هذه ليلة الجمعة، ثواب لأمواتكم ...لا أحد يمنحني نظرة عابرة، أخشى أن يصبح الناس كلهم فقراء ثم يزدحم المكان، ويكتظ بالمتسولين وبعدها يزاحمونني على رصيفي، قال لي رجل احدب الظهر: اليوم أربعاء يا رجل، وأنت تصرخ هذه ليلة الجمعة،خذ هذه القطعة النقدية ... لم اخجل من قوله فالذي يخجل يهلك في فقره، ولا يستطيع أن يعمل عملا شريفا ، وشكرت الرجل على إحسانه من أعماق قلبي ودعوت الله له أن يمسح حدبته ويستقيم ظهره كخيط شاقول البناء... حدقت في القطعة النقدية آه إنها عملة ساقطة منذ العهد الملكي نظرت صوب الرجل الأحدب وبصقت خلفه فوقع البصاق على ثوبي .. آه يا ( خديجة ) أين أنت، تاهت الأيام فلا اعرف الجمعة من الأربعاء ... كانت صبية هادئة في قريتنا ، نذهب يوميا مع حفنة من أطفال القرية للمدينة ، حيث مدرستنا ، بعضهم يقود دراجات و الآخر يمتطي الحمير، أما أنا وجارتنا ( خديجة ) وباقي الصبية نذهب راجلين، ونعود كذلك نتمتع بجمال الطبيعة تغني أناشيد المدرسة ، نركض، نلعب ببراءة كعصافير قريتنا ...والآن أين تلك الطفولة ؟ آه لو تأتين ألآن وتشاهدين أبناءنا وحالنا، أنا استجدي المارة قرب السوق ، وابننا ( عباس ) يتسول بين الدروب يطرق الأبواب، و( ليلى ) حبيبتنا وزهرة حياتنا تتسول قرب الجامع الكبير، إيه .. كنت تحلمين أن تزفيها عروسا، لا يا سيدتي لم تحن ليلة زفافها...اما ( حسين ) و ( محمد ) فقد أغلقت عليهما الباب بشدة كي لا يضيعا كما ضاعت الايام، ولا أنسى أن أخبرك انهما لم يبلغا سن التسول... آه يا ( خديجة ) أنت لا تعلمين ان التسول اصبح جزءا لا ينفك مني ، صدقيني يا خديجة هذه آخر الحلول لكي نبقى أنا وأطفالك أحياء في مدينة الجياع، في بعض الليالي اصرخ في منامي ( لله يا محسنين، هذه ليلة الجمعة ) فيفزع الأطفال من نومهم، ويلتصقون بي، يخشون اللصوص، قبح لله وجه اللصوص ألم يتعلموا كيف يأكلون لقمة خبز من حلال أو عمل يحفظ ماء وجوههم؟...أتذكرين يا ( خديجة ) كيف كنت تشدين من عزمي، وتسلحينني بالصبر والحب والأيمان، تأتيني كلماتك الثـورية :
(
اذهب، قاتل مع إخوانك، غيّروا هذه الحكومة الفاسدة ارفعوا راية لا اله الا الله )...كنت شابا في قمة العنفوان، امضي مع أخواني نحارب السلطة، نطارد الازلام ، يوما لاحقتني السلطة ،أصابت رصاصات طائشة ساقي اليمني ونجوت حينها بأعجوبة ...وبتر ( زاير موسى ) في تلك الليلة ساقي وعوضها بعكاز، كنت شجاعة يا (خديجة) تشدين أزري وتضمدين جراحي وتمسحين دموعي بذيل ثوبك اللازوردي ولم ترهبك ساقي المبتورة ، كما لم ترهبك من قبل سياط السلطة أيام دراستنا الجامعية، كنت تسخرين من رجال الأمن عندما يشكون بكتبك، ويأخذونها للتحقيق قلت حينئذ بسخرية: ( اليوم اعتقلوا فكتور هيجو وتولستوي)...وفي يوم آخر اعتقلوا ( احدب نوتر دام ) و( السياب ) ، ومرة اعتقل رجال الأمن (همنغواي) ولما عاد كتاب همنغواي ناقص الأوراق، ضحكتي يومها بدهشة وقلت (عاد همنغواي هزيلا )... أه لو تعودين يا سيدتي وترين في أي حال زوجك العزيز في أي يأس ، بؤس، آسى، نوى ، هوى، لو تعودين لصارعتي المرض وصرعتيه .. أي مرض قتلك أيتها العملاقة ،أي مرض جعلك تتقهقرين من برجك المتألق في أللانهايات، آه يا ( خديجة ) من سمح لك أن تمرضي ، التهاب في الكبد، لعن الله الكبد من قال له أن يلتهب في هذا الزمن الوحشـــي ، تتركيني وحدي أصارع الحزن المجنون ، تتركيني من دون وداع ؟... أنت تموتين بالكبد ورفاق الدرب ماتوا بالسجون على أعواد المشانق ، وبعضهم ما زال يقاتل في الخنادق والآخر حزم الحقائب، الى أين الرحيل ..؟ لا اعلم أي سماء ستظلهم.. أين حلمنا يا خديجة ، ذلك الوطن الحر تحت راية خضراء تظل الفقراء تحت خيمة الله الزرقاء نمحو الفقر من أرضنا الظمأى ، لعن الله الفقر( لو كان رجلا لقتلته ) لو كان جبلا لذريته في الهواء، لو كان بحرا لجففته في الصحراء...انظري يا خديجة الى المارة انهم لا يعطون شيئا ... الحق معهم يخشون الفقر... انهض ، من رصيفي ، اقفز بين السابلة اصرخ ... أيها الناس اني اسمح لكم بالتسول ...تقترب الحشود البشرية مني ، تضحك ساخرة : هه هه هه هه هه ، يقولون : متسول مجنون...هه هه هه ...التقطت سكينا من إحدى المحلات، تجتمع الناس حولي يطوقونني ، اصبح أنا في مركز الدائرة : أيها الناس إذا لم تعطوني فسأقتل نفسي...تضحك النسوة: كر كر كر كر ...ارفع السكين نحو السماء تصفق الرجال : طق طق طق طق...الدائرة حولي تضيق وتتوسع، اقطع يدي بالسكين وارمي بها الى الجمهور، اصرخ : لله يا محسنين .. ينين .. أعطونا خبزا نأكله... يزدحم الشارع بالمارة، اقطع بالسكين أذني وارمي بها الى الجماهير العظيمة تزدحم الطرقات ، تعلو منبهات السيارات :طووووط طووووووط ...اقطع لساني وأحز قلبي وادمي كبدي،واصرخ : أعطوني كرامتي أزين بها وجهي ...يرتفع صوت بوق بفم صبي :ـ بوووق بووووق...تصفق الأمة العظيمة بشدة ، يرعد رجل اصلع بصوت جهوري: ياله من ممثل بارع ...اقطع ساقي السالمة وارمي بها إلى الناس ويزداد التصفيق ، يهمس قزم في أذن زوجته طويلة القامة : أظنه درويشا يا شكرية...ينهق حمار قرب الجمع، ولا اعرف كيف يكتب صوت النهيق، اقطع رأسي وارمي بها إلى الجماهير الخالدة ثم ارمي ببقية جثتي، ويبقى عكازي في مكاني قرب الرصيف ، تصفق الجماهير بنشوة لبراعة التمثيل ، يبقى عكازي في مركز الدائرة ، تقذف الجماهير المزدحمة القطع النقدية على عكازي بغزارة ، ثم يتفرقون إلى أعمالهم ...ينصرفون...ينصرفو... ن...ينصرفـ... ون...!!!.

Par طيف عربي - Publié dans : كاظم الشويلى
Ecrire un commentaire - Voir les 0 commentaires
Samedi 21 février 6 21 /02 /Fév 11:17

 

اشتد البرد في زنزانتي التي لا يضيؤها سوى مصباح معلق في السقف كأنه فانوس يلفظ أنفاسه الأخيرة، ناديت ســـجاني الذي يقف على كرسي طويل في زاوية الغرفة وبفمه سيجارة :ـ

أريد مدفأة تقيني برد الليل الشتوي اللامتناهي.

كان قصير القامة جدا ، زم شفتيه بلا مبالاة ، وظننت أن توسلاتي سوف تصيب المرمى واكسب الجولة من دون الخوض في سياسة العصا الغليظة. قلت له بعطف ورقه : ــ

وإذا لم تـكن هناك مدفأة . فتكفيني بطانية واحدة لفراشي وغطائي وسوف أتوسد حذائي . نعم لا بآس ببطانية. واحدة.

الشيء الوحيد الذي لم أجد له تفسيرا هو : هل كنت أهذي بسبب البرد القارس أم ان سيدي السجان لا يفقه ما أقوله . قطب حاجبيه ، ربما أدهشه طلبي . استدركت طلبي وأنا ألمح حلقات دخان سيجارته المحلقة في فضاء الزنزانة و كأنها حبال مشانق ، قلت :ــ

لا أريد بطانية ، أعطني لباسا شتائيا يتناسب مع طقس هذه الزنزانة الرهيبة.

أغمض السجان عينيه و سبح بعالم آخر ، تمتم بكلمات غامضة مثل كاهن فرعوني ، سحب الدخان عميقا ثم أخرجه مرة أخرى على شكل حلقات ، آه تقتلني هذه الحلقات ، تذكرني بالحبال الملفوفة على رقاب الضحايا.توسلت به كما يتوسل الغريق بقشة ، آه من سجان كتمثال روماني لا يتـــــــحرك، نقرت على قمة رأسي بأناملي الخشنة و الذي تمخض بفكرة رائعة سارعت بعرضها أمام سجاني صاحب الوجه الصخري : ــ

البرد سوف يهلكني أسعفني بشاي ساخن يقويني على تحمل البرد، أسناني تصطك .

نفث دخان سيجارته بصمت قاتل ، ثم فرك انفه المستطيل و كأنه يستعد لخوض معركة ومضى يحدق في قسمات وجهي البائس ، تلاقت أناملي فوق رأسي و تلمست أذني ثم رجوت هذا الرجل الذي وقف كالوتد وهتــــفت :ـ

أيها السجان المقدس ! ادع لي الطبيب فقد اشتد ألمي ، ان أنسانا سوف يموت قبالتك وإذا لم تستطع فاجلب لي أقراص جميع الآلام ، فإذا لم تستطع فأعطني قدحا من ماء نقي اروي به ضمأي ، و ذلك اضعف الأيمان .

ظننت انني في زنزانة قانونية كالتي قرأت عنها في صحف النظام ، لكن ما بال هذا الشرطي يقتلني بنظرات ميتة و كأن أساطيله غرقت في المحيط . كدت أبكي عندما ذكرت أمي وقد سهرت الليالي تذرف الدمع على أبي حينما أودع السجن قبل سنين مازالت كلماتها ترن في آذني مثل ناقوس كنيسة يقرع في واد ، كانت تـنشف دمعـاتها بمنديل عتيق ، و تلمــس كتفي برفق وتقــــــــــول :ــ

السجن للرجال يا ولدي .

يا أماه هذا في عصركم، أما في عصـــرنا فمن يطيق نظـــرة السجان وســـــوط الجــــلاد ولسعة الكرسي الكهـــــــــربائي و حــــــوض التيزاب والمروحة التي تدور ملـــــــيون مرة في الثانية . وأشياء لا اعرفها أنا ولا تعرفينها أنت و..و.. و.. سألت هذا الدب المنفوخ جهلا وغباء : ــ

كيف يطــــــيب لك الوقت في سـجن نــــــــزلائه أحرار وجـــــــلاديه عبــــــــيد؟.

أماه هذا المغفل البليد لا يجيب مرر أصابعه فوق شاربه الكثيف ورمقـــني بنظــرة حمــقاء سألته مرة أخرى :ــ

ألا تحب الحرية أيها السيد ؟ اعلم أنك مشغوف بها ، و أنا كذلك يا سيدي اعشقها وأود أن أعود لبيتي و أمي التي تنتظرني و قد أرهقتها سنوات الانتظار ، فهذا السجن كابوس مرعب .

طقطقت أناملي ، ثم رفعت قدمي اليسرى من المستـنقع الذي يغطي أرضـية الزنزانة حتى ركبــــــــتي و توسـلت بسجاني الذي مازال يـنفث الدخان ، قلت :ــ

رحماك أيها السيد ! لا أريد شيئا سوى الجلوس ، فأنا لا أستطيع في هذه الغرفة المغطاة بالوحل و الماء الآسن وفضلات رفاق غادرونا أن اجلس مثل باقي البشر ، هذا المستـنقع سوف يشل قدمي .

رمى بعقب السيجارة إلى الماء الذي يملا الزنزانة تأهب فوق كرسيه الطويل الذي يغوص نصفه في ماء الغرفة لضربي ، أمسك سوطه بإحكام ، رفعه إلى الأعلى ولسع به كتفي. لقد انتهت استراحته بعد انتهاء سيجارته، وهاأنذا استقبل سياطا جديدة من العذاب اللامتناهي.

 

Par طيف عربي - Publié dans : كاظم الشويلى
Ecrire un commentaire - Voir les 0 commentaires
Samedi 21 février 6 21 /02 /Fév 11:14
 

البارودة الصدئة تطلق ملحا والرصاصة تلهث تائهة في خيط دخان يمتد من فضاء مكاني إلى حيث يشيع عطرك. دم ينزّ من جرح على حائط أسنده منذ عمر، والساعة الرملية أعلنت عواصفها والتهمت عقارب كل الساعات التي تتكتك.

نهار أملس آخر يتزلج على ربوة العزلة، والغيم يسوق الغيم إلى أمكنة ليس فيها نبض ولا ظمأ.

البرق الخاطف يصر على طعن خاصرة الراعي. البيارة استسلمت للجدب واليباس وتحن في شحوب إلى العشب الندي، وثدي العنزة السوداء يتدلى في ذبول ولم يعد يدر حليبا أبيض يزرع في الجدي المسكين شهوة القفز والحياة.

أنا أراهن على موتك سريعا خارج حدود الزمن الفيزيائي، كي أتوحد بظلك في مكان لم تدنسه سلطة الساعات، ثم آوي إلى الحياة ملتحفا أناك.

العصا تهش الذباب الأزرق الثقيل ولا تهش على العنزات، والراعي الذي تلبسه الأسمال صار مسكونا بالخوف اليومي من الانزلاق على حواف النهارات الملساء. آه لو تمارسي الموت مرة واحدة وتتركيني أحجز كل ذاكرتي لدهشة عمرك. هيا لا تترددي ومارسي الموت بشبق العصافير لحظة إزهار القرنفل، كي أعلن عليك جنوني الذكي وأمنحك شهادة بضلال العقل.

يعترش الراعي اليباس ويستسلم لطعنات البرق. يمد يده الرعشى إلى ناي ورث أجيالا من المواجيد. يغتصب الراعي من نايه ما تبقى من أنفاس ليعزي العنزات والجدي والبيارة. تفيض الأنفاس في القصبة فتنزف الروح بين الثقوب ويتدفق الراعي جدولا من الأنين.

يستمطر الغيم ويطبب جراح الخاصرة المطعونة بالبرق. يكفي ترددا ومارسي الموت لمرة واحدة، سوف تستلذين طعم العبور من زمن إلى زمن، وسوف تدركين سريعا أن الحياة ليست جديرة أن نحياها إذا لم نحرر الإنسان المأسور في شرانقنا الطينية، وإذا لم نضع خطوة أولى على عتبات المسك التي تسوق إلى الكهف المضاء بفوانيس الطّهر.

لا تترددي إن التردد يصنع من أحلامنا أفيون العجز والانهزام ثم يشربنا بنرجيلة ماؤها مقطر من زهرات أعمارنا.

هيا علينا أن نرحل أنا وأنت وما تبقى من صليل وصهيل وكتب. علينا أن نرحل قبل أن تستفيق غيلان الساعة الرملية وتعيدنا إلى أسر التكتكة والعقارب، ولا تسأليني إلى أين؟ سوف نسلك الدرب الذي تأتي منه رائحة الذين ماتوا والذين وُلدوا ميتين والذين سيولدون أمواتا.

ذئب في الناحية يجرجر النعاس خلفه. تطارده رائحة موت نتنة. ينتفض الراعي ملدوغا بثعبان الفجاءة. ينتصب الجدي وتطلق العنزات آخر ما تبقى من أنفاس الصياح. يصحو الذئب وتبرق عيناه. تخلع البيارة لحفة اليباس. يرمي الراعي نايه ويعلو الصياح. مطر، مطر، مطر.

علينا أن نرحل فلا تترددي، يجب أن نعيد الرصاصة إلى البارودة ونحظى بشرف الطلقة الأولى صوب الحائط الذي ينزف.

أعلني عليّ التوحد وانهمري في دخيلتي. شدي على النبض بقوة وازأري كما لبؤة افترستها شهوة الإنجاب. لا يجب أن نكون اثنين على مسلك لا يحتمل أكثر من قدمين حافيتين وحلم واحد ونصف عقل.

وهب الراعي جدي العنزة للذئب، ثم أولم العشيّة لقهوة الشيح. الظمأ لم يعترف بالمطر الهاطل، وأنا وأنت لم نصر اثنين. عنيدة أنت ومجنون من يغازل عطرك في لحظة عري بلا مرآة.

هل تذكرين؟ لم يكن لنا ماض ولم تحتوينا السماوات، أنا لا أذكر كيف التقينا، ولكن قطط السهو كانت تحشو مواءها في الكلمات حينما كنت أنا وأنت نصطاد الحروف ونطرّز تيها يليق بقادم إلى الانتفاء.

عاد الراعي إلى زريبة السكون. غابت العشية في سترة الليل. الآن في وسعي أن ألغي العالم وأهاجر فيك من نافذة أفتحها وتفتحينها فيدخل القراصنة واللصوص والجواسيس.

النوم المتصعلك على حواف الجفنين يرقب النافذة، ومطر الكلام يهطل من غيم التفلسف والجنون والدعابات.

هل تذكرين؟ رحلنا إلى آخر التيه ولم نقطف زهرة واحدة للفجر الذي يئن بين أحضان الراعي. إنك لا تذكرين شيئا، فليس للنافذة ذاكرة، وليس لمطر الكلام انتماء. هل أقول صباح الخير؟

Par طيف عربي - Publié dans : فضاء ياسين الجزائري
Ecrire un commentaire - Voir les 0 commentaires
Samedi 21 février 6 21 /02 /Fév 11:09

 ديوان أبجدية الياسمين

قصائد غير منشورة للشاعر نزار قباني كتبها قبل رحيله

 منقول عن جريدة الحياة  - 20/07/08

 

 قبل أشهر على رحيل الشاعر نزار قباني في العام 1998 دأب على كتابة القصائد خلال عزلته المرضية في منزله اللندني. وكان عزف عن النشر مؤثراً الاحتفاظ بما كان يكتب، حيناً تلو آخر. حتى في المستشفى الذي قضى فيه أياماً ولياليَ لم يكن ينثني عن كتابة الأبيات والمقاطع الشعرية وأحياناً على أوراق صغيرة ومنها أوراق «الروشتات» أو الوصفات الطبية الخاصة بالصيدلية.

غاب نزار قباني وظلّت قصائده تلك مجهولة وغير منشورة، تنتظر أن تخرج إلى الضوء من عتمة الأدراج. وها هي عائلته ترتأي أخيراً نشرها في الذكرى العاشرة لرحيله، في ديوان يصدر.. عن دار نوفل (بيروت) عنوانه «أبجدية الياسمين». هنا قصائد مختارة من الديوان، إضافة إلى المقدمة التي وضعها أبناء الشاعر.

 

 أبجدية الياسمين

 

ولد في 21 آذار (مارس) 1923 ورحل في 30 نيسان (ابريل) 1998.

ولد في الربيع ورحل في الربيع.الربيع كان قدره كما كان الشعر.... الأرض وأمي حملتا في وقت واحد ووضعتا في وقت واحد...(من مقدمة قصتي مع الشعر) في كل فصل ربيع كان يتأمل الأشجار المزهرة بإعجاب شديد وكأنه يراها كل مرة للمرة الأولى. فيهزّ برأسه قائلاً: «سبحان الله، كل شجرة لبست فستانها المفضل، واحـــدة بالأبيض والثانية بالزهر وأخرى بالأصفر وكل منها وكأنها تتزين لعرسها، أو تتنافس بينها كالبنات الفرحات بملابسهن الجديدة في العيد.

في الثلاثين من نيسان لهذا العام 2008 تمر عــشرة أعوام على رحيله. واحد من أكبر الشعراء العرب المعاصرين وواحد من أعظم الآباء، فتحية له ولعشاقه قررنا جمع القصائد الأخـــيرة التي كتبــها بين عامي 1997 و1998 والتي لم تصدر في كتاب من قبل وننشرها كما كتبها بخط يده الجميل لنشارك محبيه كيفية كتابته للشعر ومزاجه والإلهام كيف يأتيه لعله الآن في أجمل مكان يبتسم لنا.

عندما مرض وفي السنة الأخيرة قبل وفاته كنا نتفائل عندما يشعر بالرغبة في الكتابة لأنها بالنسبة الينا كانت رغبة منه في الحياة، وكنا نحرص على وضع أوراقه وأقلامه بالقرب من سريره لعله يكتب لأن الشعر كان لديه هو الحياة.

ولكن مع الأيام كثرت الأدوية وخفتت قدرته على الكتابة، فأزحنا الأوراق بعيداً وتركنا قلماً، وفي ليلة استفاق ليكتب فوجد القلم وليس الورق، ولكن لحسن الحظ وجد كيس أدويته وهو مصنوع من الورق، فأفرغ الكيس وكتب عليه فكانت هذه الصفحة الفريدة التي نشارككم إياها كما كتبها على كيس الصيدلية.

نحن لا نودعه في هذا الكتاب، بل نسلم عليه سلام الشوق والربيع ونقول له:

 «اشتقنا اليك يا نزار جميعاً...

والشعر اليوم من بعدك أصبح مثلنا يتيماً...

اشتقنا اليك أباً وشاعراً وانسان...

نحن لا نودعك في هذا الكتاب

فها هو ربيعٌ آخر يأتي ونيسان...

بل نسلم عليك سلام الشوق والربيع

ونقول لك

أزهرت الأشجار من جديد يا نزار

لعل الأشجار مزهرة دائماً حولك...»

أولادك

هدباء وزينب وعمر (نيسان - أفريل ‏2008)‏‏

 

تعب الكلام من الكلام

 


- 1 -

 

لم يبقَ عندي ما أقولُ.

لم يبقَ عندي ما أقولُ.

تعبَ الكلاَمُ من الكَلامِ...

وماتَ في أحداق أعيُننَا النخيلُ...

شَفَتايَ من خَشَبٍ...

ووجهُكِ مُرْهَقٌ

والنَهْدُ... ما عَادَت تُدَقُّ لهُ الطُبولُ!!

- 2 -

لم يبقَ عندي ما أقولُ.

الثلجُ يسقطُ في حديقتنا

ويسقطُ من مشاعِرنا...

ويسقُط من اصابعنا...

ويسقطُ في الكُؤوسِ

وفي النبيذِ...

وفي السريرِ

فأينَ هوَ البديلُ؟!

- 3 -

لم يبقَ عندي ما أقولُ.

يَبسَت شرايينُ القصيدة...

وانتهى عصرُ الرتابةِ... والصبابةِ...

وانتهى العُمرُ الجميلُ!...

- 4 -

الشِعرُ غادرني

فلا بحرٌ بسيطٌ... أو خفيفٌ... أو طويلُ...

والحب غادرني

فلا قمرٌ...

ولا وترٌ...

ولا ظِلُّ ظليلُ...

- 5 -

لم يبقَ عندي ما أقولُ.

لم يبقَ في الميدان فُرسانٌ...

ولا بقيتْ خُيُولُ...

فالجِنسُ صعبٌ...

والوصُولُ الى كُنوزِكِ مُستحيلُ!!...

والنهدُ يقتُلُني...

ويزعمُ أنه الطرفُ القتيلُ!!

والموجُ يرفعني... ويرميني... كثورٍ هائجٍ...

فلأيِّ ناحيةٍ أميلُ؟؟

ماذا سيبقى من حصانِ الحُبِّ...

لو ماتَ الصهيلُ؟؟

- 6 -

لم يبقَ شيءٌ في يدي...

هربت عصافيرُ الطفولةِ من يدي...

هربت حبيباتي...

وذاكرتي...

وأَقلامي...

وأُوراقي...

وأقفرتِ الشواطئ... والحقولُ...

- 7 -

لم يبقَ عندي ما أقولُ

طارَ الحمامُ من النوافذِ هارباً...

والريش سافرَ... والهديلُ...

ضاعت رسائلنا القديمةُ كلها...

وتناثرت أوراقُها.

وتناثرت أشواقُها.

وتناثرت كلماتها الخضراءُ في كلّ الزوايا...

فبكى الغمامُ على رسائلنا...

كما بكتِ السنابلُ...

والجداولُ...

والسُهُولُ...

- 8 -

عيناكِ تاريخانِ من كحلٍ حجازيٍ...

ومن حُزنٍ رماديٍ...

ومن قلقٍ نسائيٍ...

فكيف يكونُ، سيّدتي الرحيلُ...

إنّي أفرُّ الى أمامي دائماً...

فهل ابتعادي عنكٍ، سيدتي وصُولُ؟...

ماذا سأفعلُ كيف أفكّ سلاسِلي؟

لا الشِعرُ يجديني... ولا تُجدي الكحولُ!!...

- 9 -

لم يبقَ شيءٌ في يدي.

كلُّ البُطولاتِ انتهت...

والعنترياتُ انتهت...

ومعاركُ الإعرابِ... والصرفِ... انتهت...

لا ياسمينُ الشام يعرفُني

ولا الأنهارُ. والصفصافُ... والأهدابُ... والخدُّ الأسيلُ...

وأنا أحدِّقُ في الفراغِ...

وفي يدَيكِ...

وفي أحاسيسي...

فيغمرُني الذُهولُ...

- 10 -

أرجوُ السماحَ...

إذا جلستُ على الأريكة مُحبطاً.

ومُشتتاً...

ومُبعثراً...

أرجُو سماحكِ...

إن نسيتُ بلاغتي...

لم يبقَ من لُغَةِ الهوى إلا القليلُ!!

(لندن 15 مارس 1997)

 

طَعَنُوا العُرُوبةَ في الظلام بخنجرٍ

- 1 -

لا تَسأليني،

يا صديقةُ، مَنْ أنا؟

ما عُدْتُ أعرفُ...

- حينَ اكتُبُ -

ما أُريدُ...

رَحلتْ عباءَاتٌ غزَلتُ خُيُوطَها...

وتَمَلمَلَت منّي

العُيُون السُودُ...

لا الياسمينُ تجيئُني أخبارُهُ...

أمَّا البَريدُ...

فليسَ ثَمَّ بَريدُ...

لم يَبقَ في نَجدٍ... مكانٌ للهوى

أو في الرَصَافَةِ...

طائرٌ غِرِّيدُ...

- 2 -

العَالَمُ العربيُّ...

ضَيَّعَ شعرَهُ... وشُعُورهُ...

والكاتبُ العربيُّ...

بينَ حُرُوفِهِ... مَفْقُودُ!!

- 3 -

الشعرُ، في هذا الزمانِ...

فَضِيحةٌ...

والحُبُّ، في هذا الزمانِ...

شَهيدُ...

- 4 -

ما زالّ للشِعر القديمِ

نضارةٌ...

أما الجديدُ...

فما هناكَ جديدُ!!

لُغةٌ... بلا لُغةٍ...

وجوقُ ضفادعٍ...

وزوابعُ ورقيّةٌ

ورُعُودُ

هم يذبحونَ الشِعرَ...

مثل دجاجةٍ...

ويُزّورونَ...

وما هناكَ شهودُ!!

- 5 -

رحلَ المُغنون الكِبارُ

بشعرِنا...

نفي الفرزدقُ من عشيرتهِ

وفرَّ لبيدُ!!

- 6 -

هل أصبحَ المنفى

بديلَ بيُوتنا؟

وهل الحمامُ، مع الرحيلِ...

سعيدُ؟؟

- 7 -

الشعرُ... في المنفى الجميلِ...

تحرّرٌ...

والشِعرُ في الوطنِ الأصيلِ...

قيودُ!!...

- 8 -

هل لندنٌ...

للشعرِ، آخرُ خيمةٍ؟

هل ليلُ باريسٍ...

ومدريدٍ...

وبرلينٍ...

ولُوزانٍ...

يبدّدُ وحشتي؟

فتفيضُ من جسدي

الجداولُ...

والقصائدُ...

والورودُ؟؟...

- 9 -

لا تسأليني...

يا صديقةُ: أين تبتدئ الدموعُ...

وأين يبتدئ النشيدُ؟

أنا مركبٌ سكرانُ...

يُقلعُ دونَ أشرعةٍ

ويُبحرُ دون بُوصلةٍ...

ويدخُلُ في بحار الله مُنتحراً...

ويجهلُ ما أرادَ... وما يريدُ...

- 10 -

لا تسأليني عن مخازي أُمتي

ما عدتُ أعرفُ - حين أغضبُ -

ما أُريدُ...

وإذا السيوفَ تكسرت أنصالُها

فشجاعةُ الكلماتِ... ليس تُفيدُ...

- 11 -

لا تسأليني...

من هو المأمونُ... والمنصورُ؟

أو من كان مروانٌ؟

ومن كانَ الرشيدُ؟

أيامَ كان السيفُ مرفوعاً...

وكان الرأسُ مرفوعاً...

وصوتُ الله مسموعاً...

وكانت تملأ الدنيا...

الكتائبُ... والبنودُ...

واليومَ، تختـــجلُ العروبة من عروبتنا...

وتختجلُ الرجولةُ من رجولتنا...

ويختجلُ التهافتُ من تهافتنا...

ويلعننا هشامٌ... والوليدُ!

- 12 -

لا تسأليني...

مرةً أخرى... عن التاريخ...

فهو إشاعةُ عربيةٌ...

وقصاصةٌ صحفيةٌ...

وروايةٌ عبثية...

لا تسألي، إن السّؤَالَ مذلةٌ...

وكذا الجوابُ مذلةٌ...

نحنُ انقرضنا...

مثل أسماكِ بلا رأسٍ...

وما انقرضَ اليهودُ!!

- 13 -

أنا من بلادٍ...

كالطحينِ تناثرَت...

مِزَقاً...

فلا ربٌّ... ولا توحيدُ...

تغزو القبائلُ بعضها بشهيةٍ

كبرى...

وتفترسُ الحُدودَ... حدودُ!!

- 14 -

أنا من بلادٍ...

نكّست راياتها...

فكتابُها التوراةُ... والتلمودُ...

- 15 -

هل في أقاليم العروبةٍ كُلّها...

رجلٌ سَوِيُّ العقلِ...

يجرؤ ان يقول: أنا سعيدُ؟؟...

- 16 -

لا تسأليني من أنا؟

أنا ذلك الهِندي...

قد سرقوا مزارعهُ...

وقد سرقوا ثقافته...

وقد سرقوا حضارتهُ...

فلا بقيت عظامٌ منهُ...

أو بقِيت جُلودُ!!...

- 17 -

أنيابُ أمريكا

تغوصُ بلحمِنا...

والحِسُّ في أعماقنا مفقودُ...

- 18 -

نتقبلُ (الفيتو)...

ونلثمُ كفَّها...

ومتى يثورُ على السياطِ عبيدُ؟؟

- 19 -

والآن جاؤوا من وراء البحرِ...

حتى يشربُوا بترولنا...

ويبدّدوا أموالنا...

ويُلوّثوا أفكارنا...

ويُصدِّروا عُهراً الى أولادنا...

وكأننا عربٌ هنودُ!!

- 20 -

لا تسأليني. فالسؤالُ إهانةٌ.

نيران اسرائيل تحرقُ أهلنا...

وبلادنا... وتُراثنا الباقي...

ونحنُ جليدُ!!

- 21 -

لا تسأليني، يا صديقةُ، ما أرى.

فالليلُ أعمى...

والصباحُ بعيدُ...

طعنوا العروبةَ في الظلام بخنجرٍ

فإذا هُمُ... بين اليهودِ يهودُ!!

(لندن 1 نيسان (ابريل) 97)

 

أنا قصِيدةُ حُبٍّ...

 

- 1 -

أنا مسؤولٌ... عن كلِّ قصيدةِ حُبٍّ كَتَبتُها...

ابتداءً من الوصول الى جَبَل طارقْ...

وانتهاءً بمغادرة (قصر الحمراءْ)...

مسؤولٌ عن سُيُوف (بني الأحمر)...

واحداً... واحداً...

وعن تنهُّداتهمْ... واحداً... واحداً...

- 2 -

أنا مسؤولٌُ عن هذا الوطن الجميلْ...

الذي رسَمْتُهُ مرةً بانتصاراتي...

ومرةً... بفتوحاتي... وأوسمتي...

ومرةً... بانكساراتي... ودُمُوعي...

- 3 -

أنا مئذنةُ حزينةٌ...

من مآذنِ قُرْطبهْ...

تُريدُ أن تعُودَ الى دمشقْ...

- 4 -

أنا تراثُ أمي... من الياسمينْ والخبّيزَهْ...

لا يزالُ ينكُشُ تحت ثيابي!!

- 5 -

أنا قصيدةُ حُبٍّ

كانتْ سَبَباً...

في سُقُوط العَرَب من الأندلسْ!!

- 6 -

أنا أوَّلُ البكاءْ...

وآخرُ البكاءْ...

- 7 -

أنا مجموعة من الأحزان...

يستعملها الرُهْبان لصنع شُمُوعهْم...

- 8 -

أنا في النهارْ...

سَيْفٌ من سُيُوف عبدالرحمن الداخِلْ...

وفي الليل، مَرْوَحةٌ من الريشْ...

في يد إحدى راقصات (الفلامِنْكُو)...

- 9 -

أنا موشَّحٌ أندلسيّ...

لم تكتُبْ ساحاتُ (الحَمْراء) أجملَ منه...

قيثارةٌ... تنتحِبُ

على صدر (غارثيا لُوركَا)...

- 10 -

أنا ياسمينةٌ تتسَّلَقُ صباحاً

على عباءة (أبي عبدالله الصغيْر)!!

- 11 -

أنا مجموعةٌ من المواويلْ...

تستعملُها جبالُ لبنانْ...

للتعبير عن بكائها...

- 12 -

أنا كلُّ أوجاع العالَمْ...

من جُولْييت غريكو...

الى بابلو نيرُودّا...

- 13 -

على شفتيكِ

أيتها الأندلسيّة...

أبحثُ عن خط الاستواءْ

وعن غابات إفريقيا...

وعن حبّ الهالْ...

والفلفلِ الأسودْ...

ونبيذ مالاغا...

وزرقة القلوع

على شاطئ (ماربيا)...

- 14 -

أنا مسؤولٌ...

عن (زمان الوصلِ بالأندلُسِ)...

وعن غَزَلياتِ (العبّاس بن الأحتَفْ...)

وعن كلّ وردةٍ حمراءْ...

تضعُها (الولاّدةُ بنتُ المستكْفي)...

على جبينها...

- 15 -

أنا مجموعةٌ من الدموْع...

تسبحُ من بلاد الشعرْ...

ولا يعرفُ أحدٌ...

في أيّ مكانٍ على شاطئ عُيُوني...

تصُبّ...

(سبتمبر 1997)

 

لو

 

- 1 -

لو أنكِ جئتِ... قبيل ثلاثين عاماً

الى موعدي المنتظَرْ...

لكانَ تغير وجهُ القَضَاءِ...

ووجهُ القَدَرْ...

 - 2 -

لو أنكِ جئتِ... قبيل ثلاثينَ قرناً

لطرّزتُ بالكلماتِ يدْيَكِ...

وبللتُ بالماء وجهَ القَمرْ...

- 3 -

لو انكِ كنتِ حبيبةَ قلبي...

قبيل ثلاثين قرناً...

لزادت مياهُ البحورْ...

وزادَ أخضرارُ الشَجَرْ...

- 4 -

لو أنكِ كنتِ رفيقةَ دربي...

لفجرَّتُ من شفتيكِ الشُموسَ...

وأخرجتُ من بين نهديكِ...

ألفَ قَمرْ...

- 5 -

لو أنكِ كنتِ حبيبةَ قلبي

قُبيلَ ثلاثينَ قرناً...

تغيرَّ تاريخُ هذا البَلدْ...

فقبلكِ... ليس هناكَ نساءٌ.

وبعدَكِ...

ليس هناكَ أحدْ!!...

(أكتوبر 1997)

 

مُرَبّعات...

 

- 1 -

أنا مُرَّبعٌ...

يبحثُ منذُ القرنِ الأولْ

عن بقية أضلاعِهْ...

يبحثُ منذ بدايات التكوينْ...

عن صورة وجهِهْ...

يبحثُ منذُ بداياتِ النساءْ...

عن اسمِ امرأتِهِ الضائعةْ!!...

- 2 -

أنا المسيحُ عيسى بنُ مريمْ...

أبحثُ منذ تاريخ صَلبي

عن دمي... وجراحي... ومساميري!!

- 3 -

أنا في مربَّع، إسمُهُ أنتِ.

فلا أستطيعُ الهُروبَ الى امرأةٍ ثانيهْ...

أنا بين نهديكِ في مأزقٍ...

ولا أستطيعُ الخلاصَ من الهاويَهْ!!

- 4 -

أنا في مربَّعٍ اسمُهُ الشعرْ...

فلا أستطيعُ الذهابَ شمالاً...

ولا أستطيعُ الذهاب جنوباً...

وأعرف أنّي سأُقتَلُ بالضربة القاضية...

- 5 -

أنا شاعرٌ عربيّ... يمُوتُ...

على خنجر العشْق يوماً...

ويوماً... على خنجر القافية.

- 6 -

أنا في مربَّعٍِ، اسمهُ الأنوثة...

فأيُّ الجميلات تُفرجُ عنّي...

وليس هنالكَ لبنَى... ولا راويَهْ...

- 7 -

أنا في مربَّعٍ... اسمُهُ القصيدَة...

في أساورها تلبُسِني...

في خواتمها تحبسني...

في ضفائرها تحاصرني...

في قدَميْها تزيّنُ بي...

كخلاخيل الحرَّية!!

- 8 -

أنا في مربَّعٍ مفتوحٍ عليكْ...

من الجهات الأربَعْ...

من الشعر الأسود... الى الحَلَقِ الفضيّ

ومن الأصابع المرصعة بالنُجومْ...

الى الشامات التي لا عدَدَ لها...

- 9 -

أنا مربعٌ أخضرُ... في بحر عينيكِ...

وما زلتُ أُبحرُ...

ما زلتُ أغرقُ...

ما زلتُ أطفو... وأرسو...

وأجهلُ في أيّ وقتٍ...

يكونُ وصُولي...

الى رمل صدرِكِ... أيتها الغاليهْ...

- 10 -

أنا في مربعٍ... اسمُهُ الكتابة...

ولا أستطيعُ التحرّر منكِ...

ولا أستطيعُ التحررُ مني...

فأينَ يداكِ...

تُضيئان أياميَ الآتيةْ...

- 11 -

أحبكِ...

يا مَنْ ألملِمُ من شفتَيها

بقيّةَ أحلاميَ الباقيهْ...

- 12 -

أحبُّك...

يا ألفَ امرأةٍ في ثيابي...

ويا ألفَ بيتٍ من الشِعر...

يملأُ أوراقيَهْ...

(مارس 1998)

 

القصيدة الأخيرة(مقاطع)

 

ما تُراني أقولُ ليلةَ عُرسي؟

جَف وردُ الهوى، ونامِ السامر.

ما تُراني أقولُ يا أصدقائي

في زمانٍ تموتُ فيه المشاعر؟

لم يعد في فمي قصيدةُ حبٍ

سقطَ القلبُ تحت وقع الحوافِرْ

ألف شكرٍ لكم... فأنتم شراعي

وبحاري، والغالياتُ الجواهرْ

فأنا منكُمُ سرقتُ الأحاسيس

وعنكم أخذتُ لونَ المحاجِر

أنتم المبدعُونَ أجمل شِعري

وبغير الشعوب، ما طار طائر

فعلى صوتكُم أُدوزِنُ شعري

وبأعراسِكم أزفُّ البشائرْ.

* * *

أنزفُ الشعر، منذ خمسينَ عاماً

ليس سهلاً أن يصبحَ المرءُ شاعر

هذه مِهنةُ المجانين في الأرضِ

وطعمُ الجُنون طعمٌ باهِر...

أنزِفُ العشقَ والنساءَ بصمتٍ

هل لهذا الحزنِ الدمشقي آخر؟

لستُ أشكو قصيدةً ذبحتني

قدري أن أموت فوق الدفاتر

بي شيءٌ من عزة المُتنبي

وبقايا من نار مجنون عامرْ...

لم يكن دائماً فراشي حريراً

فلكم نمت فوق حدِّ الخناجرْ

فخذُوا شُهرتي التي أرهقتني

والإذاعاتِ كلَّها... والمنابرْ

وامنحوني صدراً أنامُ عليهِ

واصلُبوني على سواد الضفائر...

* * *

أنا من أُمّةٍ على شكل ناي

هي دوماً حُبلى بمليون شاعرْ

كلُّ أطفالنا يقولونَ شعراً

والعصافيرُ، والرُبى، والبيادرْ.

ما بنا حاجةٌ لمليونِ ديكٍ

نحنُ في حاجةٍ لمليونِ ثائرْ

تُطلِعُ الأرضُ شاعراً كلَّ قرنٍ

لا تباعُ الأشعارُ مثلَ السجائر...

هل سعِدنا بشعرنا أم شقينا

أم غفونا على رنين القياثِر؟

فانتصرنا يوماً ببحرٍ طويلٍ

وانهزمنا يوماً ببحر الوافرْ

(مارس 1998)

Par طيف عربي - Publié dans : كتابات حرّة
Ecrire un commentaire - Voir les 0 commentaires
Samedi 21 février 6 21 /02 /Fév 11:04

قراءة في رواية "موسم الهجرة إلى الشمال"

في ذكرى وفاة مؤلفها (الطيب صالح)

الكاتب والباحث احمد محمود القاسم

 

 

تعتبر رواية (موسم الهجرة إلى الشمال) السودانية للأديب السوداني الطيب الصالح، من الروايات التي انتشرت واشتهرت كثيرا على المستوى العربي والدولي، فهذه الرواية، ترجمت إلى كثير من اللغات الأجنبية، كما اعتمد تدريسها في بعض الجامعات العربية، كذلك مُنعت من دخول بعض الدول العربية، لما فيها من بعض الإيحاءات الجنسية، وقد تناول كثير من النقاد هذه الرواية، فيما إذا كانت تعبر عن المجتمع السوداني بشكل أو بآخر.
تدور أحداث الرواية، حول شخص سوداني يدعى (مصطفي سعيد)، إبان الاحتلال الإنجليزي للسودان، أظهر ذكاءً حادا خلال مراحله التعليمية، وفي إجادته لتعلم اللغة الإنجليزية، فتمكن بمساعدة الإنجليزية السيدة روبنسون، التي سبق وتعرف عليها، أن ترسله إلى مصر لمواصلة تعليمه الثانوي، ثم أرسلته الى إنجلترا لمواصلة تعليمه العالي، وحصوله على إجازة الدكتوراه في الاقتصاد، وخلال دراسته هذه، استوعب حضارة انجلترا والغرب بصفة عامة، فعاش في تلك الحضارة، وبعد تخرجه عمل على تدرِّيس مادة علم الاقتصاد، في جامعات بريطانيا، وتعرف على نساء الغرب، وتزوج العديد منهن، وانتحل الأسماء الكاذبة، ليوقع الأوروبيات في شباكه، وصار ينتقل من واحدة إلى أخرى، وبسببه انتحرت عدة فتيات بريطانيات، وفي النهاية، عاد إلى السودان، في قرية نائية من شمال السودان، بعد أن قضى سبع سنوات في السجن، بسبب قتله امرأة إنجليزية تدعى (جين موريس)، وانتهت حياته غرقاً في النيل، بظروف غامضة، لم تعرف أسبابها بعد إعادته الى موطنه في السودان.

تتحدث الرواية عن شخصية بطل الرواية (مصطفى سعيد)، ومغامراته النسائية في انجلترا أثناء فترة دراسته الجامعية، ومن ثم عودته الى وطنه السودان. فهو قادم الى المملكة المتحدة، من بلد عربي إفريقي متخلف وفقير كالسودان، وبعيد كل البعد، عن مظاهر الرفاهية والحضارة الأوروبية، وعاش في مجتمع آخر، مغاير للموطن الذي قدم منه، بكل ما في الكلمة من معنى، وشاهد بأم عينيه، الاختلافات الشاسعة في العادات والتقاليد والانفتاح المبهر بين بلده، وهذا المجتمع الذي عايشه لفترة طويلة من الزمن، وتأقلم فيه، وتفاعل وتزوج من نسائه الحسناوات الشقراوات والبيضاوات اللون، والذي كان يعتبر كالحلم، لبعض من يحملون البشرة السوداء، خاصة بأن مصطفى سعيد، ذو سحنة افريقية سوداء، وكونه يظفر بامرأة شقراء وبيضاء وأوروبية، يعتبر في مفهوم البعض في حينها، من المكاسب الكبيرة، التي يصعب تحقيقها، وان كان هناك بالمقابل ميزة للأوروبيات، في حصولهن على زوج إفريقي، اسود اللون، لما يشاع عن السود الأفارقة، بأنهم ذوو قوة جنسية فائقة ومميزة.

يمكن القول حقيقة، أن القصة في معظمها، تعطي صورة حية، لشخص يود الانتقال من المجتمعات الإفريقية والعربية المتخلفة، الى المجتمعات الأوروبية المنفتحة، من اجل الحصول على العلم أو العمل، وما يمكن أن يتعرض له من أحداث ومواقف، قد تكون مشجعة على الهجرة عند البعض، وقد تكون منفرة عند البعض الآخر.

المعتاد، في الكثير من الروايات والقصص المتداولة بين الناس، في الكثير من المجتمعات العربية وغيرها من الدول المتخلفة، الإشادة كثيرا من قبل البعض، الذين درسوا أو عملوا في مجتمعات الدول الأوروبية، وشاهدوا تقدمها وتحررها الاقتصادي والاجتماعي، وتقديرها للأفراد الوافدين، وتمتعهم بالحرية والديموقراطية والعدالة، وغيرها من الشعارات الدالة على الحقوق الإنسانية، والمساواة بين المواطنين وغيرهم من الوافدين، خاصة أن هذا ما يفتقده المواطن العربي في البلاد العربية، وكذلك في الدول المتخلفة الأخرى، وهذا من أسباب عدة، يدفع البعض للإشادة وكيل المديح بلا حدود، للمجتمعات الأوروبية.
الانطباع في هذه الرواية، مختلف نسبيا عما اعتدنا على سماعه من أبناء بعض الدول، الذين سافروا وتعلموا في الغرب، وعادوا محملين بالاحتقار لثقافتهم ولأمتهم.
في هذه الرواية، فان بطلها مصطفى سعيد، يرجع الى موطنه بكل شوق وحنين، ومتلهف الى هذه العودة حيث يقول في الرواية:

(المهم، أني عدت، و بي شوق عظيم إلى أهلي في تلك القرية الصغيرة، عند منحني النهر، سبعة أعوام وأنا أحن إليهم وأحلم بهم، ولما جئتهم، كانت لحظة عجيبة، أن وجدتني حقيقة قائماً بينهم، فرحوا بي، وضجوا حولي، ولم يمض وقت طويل، حتى أحسست، كأن ثلجاً يذوب في دخيلتي، فكأنني مقرور طلعت عليه الشمس. ذاك دفء الحياة في العشيرة، فقدته زمناً في بلاد تموت من البرد حيتانها، تعودت أذناي أصواتهم، وألفت عيناي أشكالهم، من كثرة ما فكرت فيهم في الغيبة........)

يتابع العائد من الغربة وصفه الدافيء للنخيل والرياح، وحقول القمح والطمأنينة التي يمنحها له موطنه ومسقط رأسه. فيقول:

(أحس بالطمأنينة، أحس أني لست ريشة في مهب الريح، ولكني مثل هذه النخلة، مخلوق له أصل، وله جذور وله هدف).

في موقع آخر من الرواية يصف جده قائلا:

(تمهلت عند باب الغرفة، وأنا استمريء ذلك الإحساس العذب، الذي يسبق لحظة لقائي مع جدي كلما عدت من السفر، إحساس صاف بالعجب، من أن ذلك الكيان العتيق، ما يزال موجوداً أصلاً على ظاهر الأرض، وحين أعانقه، أستنشق رائحته الفريدة، التي هي خليط من رائحة الضريح الكبير في المقبرة، ورائحة الطفل الرضيع...نحن بمقاييس العالم الصناعي الأوربي، فلاحون فقراء، ولكنني حين أعانق جدي، أحس بالغنى، كأنني نغمة من دقات قلب الكون نفسه.)

بطل الرواية (مصطفى سعيد)، يمكن فهمه من الرواية، بأنه أحد أبناء الطبقة الكومبرادورية التي اعتاد الاستعمار الأوروبي، بناءها أثناء احتلاله للمستعمرات، في كافة أنحاء العالم، حيث يتمكن المستعمر من خلالهم، من التواصل مع البلد المحتل، حتى بعد زوال الاحتلال، كي يمكنه من خلالهم السيطرة على اقتصاديات البلد المحتل، وقد قدم هذا الشخص، خدمات كثيرة، للمحتل البريطاني، كما غيره من الفئات المستفيدة من الاحتلال، من خلال ما كان يكلف به من أعمال خاصة، يقوم بها خدمة لمن عملوا على تعليمه وتوظيفه.
يبقى التنويه، الى ظاهرة الهجرة الى الدول الأوروبية، من الدول الأفريقية والعربية، من شمال إفريقيا بشكل خاص، والتي يدفع الكثير منهم حياتهم ثمنا لها، حتى قبل أن تطأ أقدامهم تلك البلاد، فعليهم أن يتعرفوا بشكل جيد، على تلك المجتمعات، وعلى عاداتهم وتقاليدهم، وما سوف يؤول إليه مصيرهم من أجل هذه الهجرة، فالطريق، ليست معبدة بالورود والرياحين، والصورة الوردية والانطباعات الحالمة، عن تلك المجتمعات، ليست كما يتصورها البعض، أو كما صورت لهم، فهي حبلى كثيرا بالآلام والأحزان والمفاجآت والمآسي، فالكثير ممن هاجروا ورجعوا الى أوطانهم، عادوا بخفي حنين، وقتلتهم الغربة كثيرا، ومزقت نفوسهم، وتمنوا لو أنهم لم يتركوا أوطانهم، وعاشوا على الكفاف، بدل من عيشة الضياع وآلام الغربة، والمعاناة من العنصرية والبرد القارص والاضطهاد.
اتصف أسلوب الأديب الطيب صالح، بالوصف الدقيق والمشوق، لبعض الأماكن في الريف السوداني، ولبعض عاداته وتقاليده العربية-الإسلامية، وقد ادخل في روايته بعض فقرات، تتصف بالإيحاء الجنسي المحدود، كعنصر للتشويق لروايته أثناء السرد، والمستغرب، أن الحديث الجنسي، كان يدور بين مجموعة من الرجال، من كبار السن، وأيضا مع إحدى النساء المخضرمات في هذا المجال، وبأسلوب تهكمي أحيانا، وهذا حقيقة مستهجن في المجتمعات العربية عامة، وفي السودان خاصة، وان كان موضوع الجنس، قد ظهر بأسلوب رومانسي لبعض الكتاب العرب، أمثال نجيب محفوظ، مروراً بإحسان عبد القدوس، وغيرهم في القرن الماضي.

يبقى أن ننوه أيضا، الى أن معظم المناطق الجنوبية في بعض دول العالم، تتصف بالتخلف، لهذا، فان الكثير من سكان المناطق الجنوبية في شتى أنحاء العالم، ترغب في الهجرة والانتقال الى المناطق الشمالية، اعتقادا منهم، بأنها تتصف بالتقدم والرخاء، وتوفر ظروف أكثر ملائمة للعيش الكريم، من المناطق الجنوبية.

شخصية مصطفى سعيد، يمكن اعتبارها واحدة من الشخصيات التي يعمد المحتل والمستعمر، لتبنيها وبنائها كما يجب، كي تخدم مصالحه في مرحلة من المراحل، لذلك، فهو يختار الأفراد الذين يتمتعون بالذكاء، ويملكون الشخصية القوية والجرأة والشجاعة، ويرسلهم للتعلم ورفع كفاءتهم ومستواهم، على الصعيد العلمي والعملي، ولا يبخل في الصرف عليهم وإغداقهم بالمال والامتيازات المادية وغيرها، كما يعمل في أحيان كثيرة، على مساعدتهم في تبوأ أعلى المناصب الحكومية، حتى تخدم مصالحه باستمرار فيما بعد، ويقال، أن معظم رؤساء الدول الأفريقية وغيرهم من المناصب الرفيعة، وصلوا الى مراكزهم العالية عبر المخابرات الأوروبية وغيرها، وهم بمثابة عملاء مزروعين في دولهم، من اجل خدمة مصالح الاستعمار. يبقى أن نذكر أيضا، أن أحداث الرواية، حدثت في مرحلة العشرينات وحتى الخمسينات من القرن المنصرم، إبان سيطرة المحتل الإنجليزي على ربوع السودان.

 

Par طيف عربي - Publié dans : كتابات حرّة
Ecrire un commentaire - Voir les 0 commentaires
Samedi 21 février 6 21 /02 /Fév 10:57

 قلم/ سويت

 

أحب احتواءك وأتوق إليه

أتعبتني مطاردتك..

ما سئمت رفقتك يوما

انتظارك يطول أحيانا

أثقلتني بأسرارك ولا أرى ملاذا إلا إليها حينما أضج بوحدتي

كم أعجب لعناد حضورك..ألا تود الرحيل يوما!

يذهلني كتمانك لكل سر أفضيت به إليك..

لم أخن العهد بعدم البوح إلا حينما ناشدني فضول بعض الصّغار..

وغفرت وشايتك لهم آنذاك

أرقب مجيئك بشغف لتؤنس وحدتي

وكم يفرحني أنك تسعد برفقتي

هل ستغضب إن اعترفت بخيانتك..وفي أكثر من مرّة؟

لم يخف عنّي أيا منها..وصفحت عنها بطيبة خاطر

آن وقت الرحيل..سأعود وان طالت غيبتي

محمّلا بهداياي المفضلة ؟

يغويني طمعك بالمزيد..

أسرفت بتدليلي وأدمنت سخيّ عطاءاتك

احبّك ..وجميل هو شوقي إليك..

ابتعد قليلا لا أراك بوضوح قبل أن أغرف قبلة الوداع

بل أدنو منّي أكثر لأعبّئ ما أستطيع من الدّفء بحناياك

آه من طيب عبقك..

إلى اللقاء يا لغزي الجميل

Par طيف عربي - Publié dans : فضاء سويت
Ecrire un commentaire - Voir les 0 commentaires

بحث

أرشيف ألوان

فضاءات مهمّة

Créer un blog gratuit sur over-blog.com - Contact - C.G.U. - Rémunération en droits d'auteur - Signaler un abus